ابن رشد

68

مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس

الرطوبة واليبس حافظين للاعتدال الطبيعي ، وكانت الحرارة ناقصة عن الطبيعة ، وجب ضرورة أن يكون ذلك البدن السمين فيه أكثر من اللحم فإن كان الأمر كذلك ، فتتزيد له الحرارة ، وتبقي اليبوسة والرطوبة على اعتدالها ؛ فإنّ ذلك البدن أميل إلى القضافة والسمن . / / قلت هذا كله فيه نظر . فإنّ مبناه على جواز خروج الجسم الممتزج من الأسطقسات الأربعة في كيفية واحدة من الكيفيات المزدوجة ، من غير أن يخرج معه الكيفية المقارنة لها ، وذلك شيء قد بيّنّا أنه ممتنع . فهو يضع هاهنا ، لما يظهر بالحس ، أسبابا غير متّفق على وجودها ؛ كما زعم هو عن الأطبّاء الذين تكلموا في مزاج الشباب والصبيان ، وحاصل ما يقوله ، « إنّ الرطوبة الخارجة عن الاعتدال يقتضي كثرة اللحم ؛ لأن اليبوسة يقتضي القضف ؛ والحرارة المائلة عن الاعتدال ميلا يسيرا إلى البرد ، يقتضي كثرة الشحم ؛ لأن الحرارة تفني الجزء السمين من الدم ؛ وإذا اجتمع هذان شيئان ، كان البدن كثير اللحم والشحم ، أعني ، البرودة والرطوبة » . والذي يقتضي كلام القدماء على أصولهم في أن اختلاف السحن ، إنما هو تابع لاختلاف الأمزجة الخارجة في كيفيتين من الكيفيات المزدوجة ، وأن الدماء وإن كانت كلها حارة رطبة ؛ فهي تتفاضل تفاضلا متباينا في استحالتها إلى اللحم والشحم ، الذي هو الفضلة الدسمة ، التي في الدم . وذلك أن الشحم ، لما كان هوائيا ، ولم يكن فيه أن يكون مادة للحم ، ميّزته الطبيعية عند تكون اللحم ، كما تميز سائر الفضلات : لكن هذه الفضلة قرنت بها منفعة للحيوان ، وهو تسمين أعضائه ؛ ولما كانت هذه الفضلة حارة رطبة . وكان الدم الطبيعي حارا رطبا ، كان وجود هذه الفضلة في الحيوان دليلا على صحة الحيوان ؛ فإن افرط ، كانت دليلا على عدم صحته ؛ لأنها تضره ، من جهة ما هي فضلة . وأنت ترى الدماء في الحيوانات / / المختلفة تختلف في وجود هذه الفضلة فيها اختلافا كثيرا ، بحسب اختلاف أمزجة دمائها ؛ حتى أن من الحيوان ، من يهلك كثيرا من كثرة هذه الفضلة ؛ ومن الحيوان ، ما لا توجد فيه هذه الفضلة إلا يسيرة . وإذا كان هذا هكذا ، فهذا المعنى أشبه شيء باللبان ، فكما أن من الألبان ما الدسم فيه كثير ، والجبنيّة قليلة ؛ وبالعكس ، كذلك الأمر في اللحم مع السمين في دماء الناس والحيوان . فالذي ينبغي أن نفحص عنه أولا من أمزجة الدماء ، الأسباب ، التي من قبلها ، يختلف في هذا المعنى ؛ وليس هذا من الكتب الطبيّة ، فيجب أن نفحص عنه في هذا الموضع ؛ وإنما ينبغي أن يتسلمه صاحب هذا العلم من صاحب علم الطباع ؛ لكن جالينوس ، لما يتكلم في هذه الأشياء ، من حيث هو صاحب علم طبيعي ، فقد نرى أن نشير إلى مذهب القدماء في